المبشر بن فاتك

330

مختار الحكم ومحاسن الكلم

منه ؛ وإن قمر « 1 » صاحبه فعليه مثل ذلك . فقمر سيّد لقمان . فقال له القامر : اشرب ما في هذا النهر وإلا افتد منى . قال : احتكم ! قال : عينيك أفقأهما ، أو جميع ما تملك . قال : أمهلني يومى هذا . قال : ولك « 2 » ذلك . فأمسى كئيبا حزينا ، إذ جاء لقمن قد حمل حزمة من الحطب على ظهره ، فسلّم على سيّده ثم وضع ما معه . وكان سيده إذا رآه عبث به ، وسمع منه الكلمة من الحكمة فتعجّب منه . فلما جلس إليه قال لسيده : ما لي أراك كئيبا ؟ فأعرض عنه . فقال له : أخبرني فلعل لك عندي فرجا . - فقص عليه القصة فقال لقمان : لا تغتمّ ، فإن لك عندي فرجا . قال : وما هو ؟ قال : إذا قال لك الرجل اشرب ما في هذا النهر فقل له : اشرب ما بين الضفتين ، أو المد الذي يجئ ؟ فإنه سيقول لك : اشرب ما بين الضفتين . فإذا قال لك ذلك فقل له : احبس عنى المد حتى أشرب ما بين الضفتين - فإنه لا يستطيع أن يحبس عنك المد ، فتخرج مما ضمنت له . فطابت نفسه . فلما أصبح وجاءه الرجل ، قال له : ف لي بشرطى . قال : نعم ! ولكني أشرب ما بين الضفتين ، أو المد ؟ قال له : لا ! ما بين الضفتين . قال : فاحبس عنى المد ! فخصمه بذلك ؛ فكفّ عنه . فأكرم لقمان ، وأعتقه . فكان ذلك أول ما ظهر للناس من حكمته . وكان يختلف إلى [ 101 ا ] داود ويقتبس منه الحكمة . فاختلف سنة إلى داود ، وداود يتخذ درعا - وذلك أول ما ابتدأ في صنعتها . فلم يسأله لقمان ما هذا ولا أخبره داود حتى فرغ منها فصبها على نفسه ثم قال بالسريانية : زردا طابا لقرابا - يعنى : « درع حصين ليوم قنال » . فقال لقمان : الصمت حكم ، وقليل فاعله . - وكان قبل ذلك لم يمدح نفسه قط ولم يزكّها .

--> ( 1 ) قمر ( من باب ضرب ) قمرا : راهن ولعب في القمار . قمر الرجل : غلبه في القمار . قمر الرجل ماله : سلبه إياه . تقمر الرجل : غلبه في القمار . ( 2 ) ش : ذلك لك .